ابن خلدون

261

تاريخ ابن خلدون

وصاحبه ولاه عليها نور الدين فلم يزل بها فاستأمن إلى صلاح الدين على أن يقره على الحصن ويكون في خدمته فأقره وأطاعه ورحل صلاح الدين إلى حلب وبها عماد الدين زنكى بن مودود ونزل عليها بالميلان الأخضر أياما ثم انتقل إلى جبل حوشن أياما أخرى وأظهر أنه أبنى عليها وعجز عماد الدين عن عطاء الجند فراسل صلاح الدين أن يعوضه عنها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج فأجاب إلى ذلك وأعطاه عنها تلك البلاد وملكها وكان في شرط صلاح الدين عليه انه يبادر إلى الخدمة متى دعاه إليها وسار عماد الدين إلى بلاده تلك ودخل صلاح الدين حلب في آخر سنة تسع وسبعين ومات عليها أخوه الأصغر تاج الملوك بوري بضربة في ركبته تصدعت لها ومات بعد فتح حلب ثم ارتحل صلاح الدين إلى قلعة حارم وبها سرجك من موالي نور الدين ولاه عليها عماد الدين فلما سلم حلب لصلاح الدين امتنع سرجك في قلعة حارم فحاصره صلاح الدين وترددت الرسل بينهما وقد دس إلى الإفرنج ودعاهم وخشي الجند الذين معه أن يسلمها إليهم فحبسوه واستأمنوا إلى صلاح الدين فملكها وولى عليها بعض خواصه وعلى تل خالد الأمير داروم الياروقي صاحب تل باشر وأقطع قلعة عزاز الأمير سليمان بن جندر فعمرها بعدان كان عماد الدين خربها وأقطع صلاح الدين أعمال حلب لأمرائه وعساكره والله تعالى أعلم * ( نكبة مجاهد الدين قايمان ) * كان مجاهد الدين قايمان قائما بدولة الموصل ومتحكما فيها كما قلناه وكان عز الدين محمود الملقب زلقندار صاحب الجيش وشرف الدين أحمد بن أبي الخير الذي كان صاحب العراق كان من أكابر الأمراء عند السلطان عز الدين مسعود صاحب الموصل وكانا يغريانه بمجاهد الدين ويكثران السعاية عنده فيه حتى اعتزم على نكبته ولم يقدر على ذلك في مجلسه لاستبداد مجاهد الدين وقوة شوكته فانقطع في بيته لعارض مرض وكان مجاهد الدين خصيا لا يحتجب منه النساء فدخل عليه يعوده فقبض عليه وركب إلى القلعة فاحتوى على أمواله وذخائره وولى بها زلقندار نائبا وجعل ابن صاحب العراق أمير حاجبا وحكمهما في دولته وكان في يد مجاهد الدين أربل وأعمالها فيها زين الدين يوسف بن زبن الدين على كجك صبيا صغيرا تحت استبداده وبيده أيضا جزيرة ابن عمر لمعز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازي وهو صبي تحت استبداده وبيده أيضا شهرزور وأعمالها ودقوقا وقلعة عقر الحميدية ونوابه في جميعها ولم يكن لعز الدين مسعود بعد استيلاء صلاح الدين على الجزيرة سوى الموصل وقلعتها لمجاهد الدين وهو الملك في الحقيقة فلما قبض عز الدين عليه امتنع صاحب أربل واستبد